الكفر بالوسيلة وضياع الغاية
كانت ولازالت أحزاب وتكتلات أي مجتمع خاصة في عالم السياسة عبارة عن وسيلة لتحقيق الهدف الأسمى والرؤية المنشودة من أصحاب أي فكرة تنادي بأهدافها من أجل ارضاء تطلعات وأهداف المنتمين اليها ، خاصة إذا كانت هذه الأحزاب والتكتلات في دولة تسعى لتحقيق الرخاء والنهضة والازدهار . وتكون هذه الأحزاب ظاهرة مؤقتة تظهر حسب الدستور الانتخابي في الدولة تستعرض فيه شخصياتها ومبادئها وبرامجها وانتقاداتها لمنافسيها ، بهدف أن تصنع فارقا عن غيرها بتحقيق مالم تستطع عليه الأفكار الأخرى .
وهذه الأحزاب التي سبق ذكرها في دول مستقرة تسعى الى النهضة أما في الدول التي تعاني الاستعمار أو الاحتلال أو الهجوم والاعتداء فتسعى إلى نشر أفكار الحرية واستقطاب الجماهير من حولها لاثبات أنها القادرة على حرية شعبها ، وفي بدايات ومنتصف القرن الماضي نالت معظم شعوب العالم حريتها من الاستعمار إلا البقعة الوحيدة التي لازالت تعاني من اثار الاستعمار الأشد ظلما وقسوة بفرض دولة مكان دولة والاتيان بشعب على أرض شعب تم طرده والتنكيل به وقتله بشتى الوسائل وبات الصراع على أحقية الأرض وهويتها التي يحاول اثبات كل شعب أحقيته فيها .
" فلسطين القضية " ، من استعمار إلى احتلال إلى ذل ثم مقاومة وأحزاب تنادي بالحرية بدأت إمتداداتها من ثورات هنا وهناك، حتى انظلقت رصاصات في منتصف وأواخر الستينيات من القرن الماضي تنادي بقتال المحتل وجمع الشعب حول فكرة واحدة " المقاومة حتى نيل الحرية "، وبات العالم يتطلع الى محاربة هذه الفوضى التي صنعتها الأحزاب الفلسطينية المتشكلة بمنظمة التحرير الفلسطينية محاولا اخمادها وفرض الاستقرار بالقوة سواء دوليا أو عربيا بالتعاون مع الكيان الصهيوني ، ولما كانت كل محاولة قتل رمز أو فكرة تزيد من اشتعال هذه المقاومة أصبح لابد من إيجاد البديل التفاوضي الذي شرعته الأمم المتحدة كمسكنات تحاول ارضاء المظلوم بأي شيء من الوهم والحبر الذي لافائدة منه الا تزيين الورق .
"الأحزاب الوسيلة " بدأت هذه الجماعات التي كانت أشدها امتدادات اليسارية وفتح خطان ملتقيان على حشد الأنصار والجماهير حول تحرير الأرض ومقارعة المحتل حتى آخر رمق، وباتت أفكار الوسائل أقرب الى قلوب الفلسطينين حتى أصبح الداخل الفلسطيني سواده الأعظم مقاوم ويسعى الى الحرية ورفض وجود المحتل ، وبدأ التعامل الدولي بذكاء منقطع النظير في محاربة هذه التيارات بمنهجية قتل أشدهم تعصبا لفكر الحرية والبقاء على من يمكن الجلوس معه لمفاوضته حول عودة الهدوء والانصياع لقرارات الأمم المتحدة وغيرها من القوانين البائسة . وبالفعل طبقت هذه السياسة حتى شهدت أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات اغتيال العشرات من القادة من فتح والجبهات اليسارية تطبيقا للمنهجية البديلة لمحاربة فكرة التحرير والجلوس على الطاولة ، وبالفعل سرعان ماتحول مسار الوسيلة للحرية الى الوسيلة لتحقيق الانجاز بعد كل التنكيل والقتل الذي تعرضت له فتح والجبهة على وجه الخصوص .
" الوسيلة الاسلامية " وفي ذلك الوقت كان لابد من ظهور معارض لمن يجلس على الطاولة في الحين وقته كانت هذه التيارات نفسها تخون وتعارض أيضا مسار المقاومة كأنها تعمل في كل الحقبات التاريخية خاصة الاخوان المسلمين التي كانت تعارض نهج منظمة التحرير وتدعو الى خلافة وأمة - نظريات دينية - لم يكن لها واقع ملموس على شعب يتم التنكيل به في شتى بقاع الأرض ، الى أن بدأ المجمع الاسلامي الذي انبثقت منه حماس لتكون اكبر معارض لمسار التسوية وتنفيذ العمليات والعودة من جديد الى الدعوة الى مقاومة كانت قد بدأت قبل دعوتها بأربعة عقود وما يزيد من الزمن ، حتى استطاعت جذب كل أصحاب التفكير المقاوم وأصبح الاستقطاب في قطبين متوازيين لايلتقيان بين مسار التسوية الذي خرج بصورة أوسلو ومن كفر وخون أوسلو وحاربها بشتى الوسائل .
" الهدوء والتحول " الذي شهد قدوم السلطة الفلسطينية والذي بدأ بالبناء ومحاربة معارضي أوسلو لم يدم طويلا حتى كانت منابر المساجد قد أعطت الأفكار الدينية والشخصيات التي كانت من نفس مستوى المخاطبين من الناس جعلت من كان في السلطة نائما في الأموال وبناء المؤسسات والأجهزة الأمنية والفساد مغيبا عن حالة الغضب الشعبي من السلطة وممارساتها حتى كانت انتخابات 2006 والتي حصدت فيه حماس أغلبية الأصوات من الشعب الفلسطيني معلنة بذلك انخراطها في التسوية الناعمة التي سبقها تصفية من يعارض هذا المسار حتى تخلق اسرائيل صفا اسلاميا معتدلا ينخرط في الحكم والمؤسسات والأموال . وهذا ماحدث تماما في أواخر الثمانينيات مع قادة فتح واليسار بنفس الأسلوب ، وبدأ الحصار الاقتصادي على حاكمي غزة بعد تسلمهم الحكم بالقوة بعد أحداث 2007 والتفرد بحكم القطاع حتى يصبح تفكيرهم بالخروج من ورطة تبعيات الحكم من الاقتصاد والصحة والمعابر وأصبح التفكير ب 2 مليون مواطن في غزة يريدون الطعام والحياة و الجانب الآخر من الوطن في الضفة الغربية ثلاثة مليون مواطن في الضفة يحلم بالتنقل بحرية وأمن بعيدا عن التفتيش والاعتقال وسبعة ملايين يحلمون باستقرار أوضاعهم في الشتات وليس العودة ، والتفكير بالغاية " الوطن " أصبح ماضي اندثر بشعارات تبريرية للوسائل .
" ضياع الغاية " واقعا ملموسا فمن ينادي بالوطن الآن ؟ من يقول من المية للمية كناية عن فلسطين التاريخية ؟ ومن يستطيع القول أن هناك دولة فلسطينية حتى على حدود 67 ؟ ومن يستطيع المناداة بالقدس الشريف عاصمة لفلسطين ؟ خاصة بعد اعلان ترامب القدس عاصمة يهودية لاسرائيل . والشعب الثائر سابقا المغلوب على أمره حاليا ينادي بلقمة أبنائه ويحلم بكهرباء وزوال حواجز ؟ .
لقد كفر الناس بفكرة الأحزاب حتى ولو كان ذلك غير معلنا على الملأ وحتى لو حشدت الأحزاب الآلاف الذين جلهم منتفعين بشكل أو بآخر من دون إيمان بفكرة هذا الحزب أو ذاك . لقد أصبحت الغاية فقط شعارات في ظل التخلي المحلي والدولي عن القضية الأساسية وأصبح الغاية الآن ليس وطن وليس جزء منه بل قوت أطفال وحرية تنقل وتأمين لقمة عيش . وهذا كله للأسف سببه المضامير التي قادت فيها الأحزاب شعبنا مراهنة على دولة هنا و مصلحة هناك متناسية أنها وسيلة لغاية الوطن .
" انعاش الموتى " لازال هناك أمل يستحقه أجيال قادمة لشعبنا والرهان على قيادة فلسطينية جديدة تخرج من تحت الركام بنا الى الحياة معلنة أن شعبنا يستحق الحياة والدولة بكرامة عرفاتية ودولة مؤسسات مبنية على أسس العدالة والنزاهية والمهنية المطلقة ، قيادة تتطلع الى البناء المستقل بعيدا عن أي أجندة وأهواء ومصالح ضيقة ، حتى وان كانت هذه القيادة لها لون أو آخر فيجب أن يكون فكرها فكرا يجمع بين ألوان الوطن لا انفراد وتسلط ولا لون واحد ، وسائل لأجل الغاية تحمل شعبنا نحو الاستقلال محققة حلم الشهداء والأسرى . فكلما اشتدت حلكة الظلام لابد من فجر سيبزغ بنور الوطن الذي ضحى شعبنا من أجله مئات الآلاف من الشهداء والجرحي والأسرى . حقيقة أننا اشتقنا لذلك الأمل لعله ينسينا عشرات السنوات من الألم .
عاشت فلسطين والخزي والعار للمتخاذلين والفجر آت آت لامحالة .






