أستاذ ورئيس قسم .. النجاح والجدل


أستاذ ورئيس قسم .. النجاح والجدل  



غالباً لا أكتب في نقد أو تأييد الأعمال الفنية وأقتصر على متابعة  آراء الجمهور لأي عمل، ويكون التركيز على الأعمال الفنية في شهر رمضان أكثر من غيره لأن العادة جرت أن تكثر فيه الأعمال الدرامية ، ماشد انتباهي الاثارة التي كانت سمة الشهر الماضي عن العمل الفني المصري الذي أثار عاطفة الشعب المصري ، وبين المؤيد والناقم عليه فقد ألهب الأحزاب السياسية المصرية من مدى الأثر الذي لم يقتصر على الجمهور المصري بل وأثر في كل من شاهده في الوطن العربي .

" أستاذ ورئيس قسم" المسلسل المصري الذي عرض خلال شهر رمضان والذي بدأ بفترة الحكم الأمني الصارم في فترة الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك والذي تلته ثورة الخامس والعشرين من يناير ليكون انتصار لارادة القلائل الذين خرجوا من أجل إسقاط هذا النظام والذي لعب فيه اليسار المصري والشخصيات المستقلة والشباب الجامعي الدور الأساسي لانطلاق هذه الثورة ، سرعان ما بدأت القوى السياسية المصرية الأخرى بالمشاركة في هذا التجمع بعدما شاهدت قوة هذا الحراك ومدى الغليان الشعبي والسخط على النظام الذي استمر لثلاثين عاماً وعلى رأسها جماعة الاخوان المسلمين التي هجته وقللت من قيمته في البداية وشاركت رسمياً فيه بعد ثلاثة أيام من انطلاقة الثورة لتلعب دوراٌ أساسيا في موازين الثقل الشعبي لهذه الثورة ، وسرعان ماتقلدت هذه الجماعة الحكم  لتعيد منظومة العنصرية والفاشية والمحسوبية الحزبية ولكن هذه المرة تحت ستار الدين إلى أن تمرد الشعب المصري وكانت كلمة الفصل له وبمشاركة الجيش المصري وقياداته أُزيل حكم جماعة الاخوان بعد عام من تقلدها السلطة .

"فوزي جمعة " الشخصية الأساسية التي مثلها الفنان الكبير عادل إمام لمثل أحد قيادات اليسار المصري والذي يعمل دكتورا في جامعة القاهرة مؤدياً دوره التوعوي والفكري والقريب من الشباب ومثلهم الأعلى في التعبئة الثورية والدفاع عنهم من ملاحقات جهاز أمن الدولة والاعتقال المستمر له، هذه الشخصية كانت المحور الأساسي للمسلسل والتي عايشت المراحل المتعددة من الصراع الداخلي في عمله مع مجموعة من زملاء العمل وعلى رأسهم " الدكتور نافع بيومي " وغيره  و صراعه الاجتماعي بين العقم وظهور ابن له بعد التحليلات الوراثية وبين تربيته لمجموعة من الشباب على مبادئ الثورة وهم أبناء طليقته التي تزوجت أحد كبار رجال الأعمال التابعين لنظام مبارك ، ثم تولى جمعة منصب وزير الزراعة بعد نجاح الثورة ليكون في رؤية البعض أنه ترك الثورة وخان المبادئ التي ربى الأجيال عليها إلى أن عايش نفس فترة المطاردة من قبل حكم الاخوان بعد استقالته إثر الهجوم الاعلامي والانتقاد والتخوين والمحاكمات من جهة، وكونه أصبح أبا مسؤولاً عن طفلين من جهة أخرى إلى أن وصل لمرحلة اليأس والعزم على الرحيل من مصر بعد الحكم عليه بعشرة سنوات في قضية ألفقت إليه ، وكانت الخاتمة بتغيير قرار الرحيل في اللحظات الأخيرة لينتهي المسلسل بعودته إلى صفوف الثورة التي يقودها كالمعتاد وهي ثورة الثلاثين من يونيو والتي أزالت حكم الاخوان .

فوزي جمعة من الثائر إلى الانسان والكوميديا التي لاتفارقه جسد هذه الشخصية باحتراف وبعاطفة أثارت قلوب المشاهدين لاسيما ماقبل ثورة يناير بتبنيه أحد الشباب ليصل إلى حلمه في رسالة الدكتوراه وبعد يناير وتوليه وزارة الزراعة والتي بدأت بحقبة ماقبل الاخوان لتكون السمة الظاهرة هي السمة الاجتماعية وتبنيه لإبنة شهيد من ثورة يناير وظهور طفل غير شرعي له ومعالجته الخطأ بزواجه الصوري ومساعدة أحد المسيحيين بازالة الظلم الواقع عليه وكل هذا قابله إعلام الاخوان بالتخوين والتشكيك ، وكان للكوميديا التي لاتفارق عادل إمام مع وجود عدة شخصيات أظهرت الطابع العام للشعب المصري .

" نفاق السياسة " ومن الشخصيات التي أثارت الاهتمام والجدل شخصية المتسلق والمنافق التي مثلها الفنان القدير أحمد بدير في شخصية " الدكتور نافع بيومي " الذي بدأ دوره كمطبلاً لنظام مبارك سرعان ما تحول إلى أنه من قيادات يناير حال الكثيرين بعد نجاح الثورة ، وبعد فوز الاخوان أصبح ممسكاً المسبحة وممارساً لدوره المعتاد بالتمثيل الديني ليصل الى المكسب السياسي الذي طالما حلم به ليصبح المحافظ ، وأقالته الرئاسة الاخوانية بعدها بسبب انتشار حملة تمرد من محافظته ، ليعود إلى ممارسة التسلق باعلان نفسه متمرداً على الاخوان وانضمامه الى ثوار يونيو ومارس هذه الأدوار عبر المحافل الاعلامية باحتراف وبكوميديا جعلت كل من يشاهده يربط في ذهنه مايشاهده من موقعه ، وهذا مالاحظناه في الحياة من بعض الأشخاص الذين نرى نماذج عنهم في كل الدوائر والجامعات وداخل الأحزاب من المتسلقين الذين يسعون إلى المصلحة الشخصية،  حيث عبر عن هذه الشخصية الدكتور الناقد خضر محجز قائلاً :" شخصية الأستاذ الجامعي المنافق الذي قام بدوره الممثل القدير أحمد بدير أراها في كل مكان ليس فقط في الجامعات المصرية بل هنا في جامعات غزة و الكثير من الأحزاب السياسية ".

" مؤمن العيوطي " هذا الدور الذي قام بتمثيله الفنان القدير أحمد راتب وهذه الشخصية التي أثارت إهتمامي الخاص من مدى الواقع الذي نعايشه من أسلوب الانكار والظاهر المخالف للباطن وهو في الحقيقة العقل المدبر للجماعة الاسلامية ومايظهره من تودد وقبول للآراء والانفتاح والادعاء بالوسطية يخالف الباطن من التآمر على الآخرين ورفضهم وانكارهم وأنه الحق وغيره الباطل ومحاولات الاستقطاب التي ينجح بها من خلال شخصيته وكلماته المنمقة الجميلة وفي كل تارة يستخدم العبارة " أنا لا أنتمي لأي فصيل " وهذه إحدى النماذج التي لم تقتصر على الحال المصري بل نعايشها في الواقع الفلسطيني .

"إثارة الجدل " الذي أشعله هذا المسلسل لايقتصر على مدى الفاشية الدينية التي مارست نفس الأسلوب والتي اعترض عليها بالتأكيد مؤيدو الاخوان ولكن أيضا انتقده بعض اليساريين من تصوير بعض الأفعال للتدليل على اليسارية وكذلك التحول لشخصية يسارية من قيادة للحزب ودخولها السلطة من أجل المال وتحولها عن مبادئ الكادحين إلى المنتفعين ، ولكن أرى أنه أصاب الحقيقة فكثير من الشخصيات التي تعيش دور الدين لتمارس أهوائها تشابه جزء من اليسار يمارس نفس الأسلوب ولكن بدلاً من الدين استخدام مبادئ الكادحين والفقراء والمساواة لتصل إلى الأجنداة الخاصة وماكان هذا إلا لتسليط الضوء على عدم الانخداع بثوب الدين والمبادئ الفكرية التي تمارسها بعض قيادات الجماعات والأحزاب لتخدم مصالحها فقط ، أما آراء الشارع المصري فكانت واضحة فمن عاش وتضرر من أي حقبة من المراحل الثلاثة من نظام مبارك الى نظام الاخوان الى نظام السيسي بعد ثورة يونيو فانه سيرى من زاويته الخاصة هذه الأحداث فمنهم من قال " هذه هي الحقيقة أن نار مبارك أهون علينا من الحال الذي وصلنا إليه " ومنهم من قال " هذه مجرد دعاية لعادل لامام والاعلاميين المصريين للتودد لنظام السيسي الحالي " ومنهم من رأى الحقيقة من زاويته اليسارية ومنهم من أنكرها من زاويته الاخوانية . 

"تحيا مصر " يحيا الشعب المصري بهذه الكلمات اختتم المسلسل الذي عايش هذه الفترة الزمنية وصولا الى 30 يونيو حيث بدأ الشعب المصري ادراك الأمور من جماعة حذر منها الزعيم القومي عبد الناصر الذي لايزاود عليه عاقل إلا الاخوان وأنصارهم والذي قالها صريحة أن هؤلاء يتسترون بالدين من أجل السلطة والنفوذ ولكن على مايبدو أن السنين ومدى ديكتاتورية الأنظمة صنعت مناخا جيدا لهذه الجماعة لتقوم بغسل الادمغة المستمر لعقول الشباب إلى أن وصلت للحكم بعد أكثر من 80 عاما ولكن كانت الكلمة للشعب ولجيشه المتين الذي رفض المهازل التي صنعتها أيدي الظلام ، هي التي أرادها المرشد وأعوانه عزبة خاصة بالاخوان وبدأت أخونة الدولة في كل المناصب واستثناء غيرهم وكادت مصر أن تصبح سوريا ثانية من بث الفتن والأحداث الدموية التي شهدتها فترة الرئيس الاخواني المخلوع محمد مرسي بتأييد قطري وتركي ولأن هذا النهج لم يمر على المصريين قالوها بصوت واحد لا لوجودكم بعد اليوم وجيش مصر سيبقى حصناً متيناً رغم إرهابكم .

ختاماً فان هذا العمل أرى أنه أصاب الحقيقة التي يتجاهلها الكثيرون من حقبة من الزمن عاشها المواطن المصري وتأثرنا بشكل جوهري بهذه الحقبة التي استخدمت فيها ستائر الدين والمبادئ لتحقيق الأهداف الفئوية بعيداً عن مصلحة الوطن، وهذه الأحداث التي شهدناها في معظم بلادنا العربية من الربيع العربي الذي كان حلماً بدأ من إرادة التحرر من العبودية ليتحول إلى كابوس باسم الدين يصنع ماهو أقسى من ديكتاتورية السابقين بالتكفير والرفض المطلق للآخر، والذي راح ضحيته الملايين في وحل الدم والقتل المستمر بسبب المخططات المرتبة لاشغال الوطن العربي وإضعاف جيوشه وكانت حكمة الله وقدره أن يستيقظ الشعب المصري لافشال هذه المخططات والانحياز لكلمة الشعب والجيش وإسقاط المؤامرة التي لازالت بعض الشعوب تكتوي بنارها والتي نسأل الله لها الأمن والأمان والوحدة .  



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة 2014 |