بين الظاهر والباطن ، المصالح وقضية صالح !
لا
شك أن الواقع الذي نعيشه أصبح يختلف يوماً بعد يوم من المواقف السياسية التي
تمثلها الأحزاب الفلسطينية وهذا هو الطبيعي والمعتاد من المواقف المتباينة والتي
أصبحت لايعبرها وصف ولعل كلمات الشكر لكل من يقدم المال لغزة أصبحت شيئا روتينيا
في عيون المواطنين المغلوب على أمرهم وكأن غزة أصبحت بيت صدقة لتقدم كل يوم الشكر
وأصبحنا نعتاد على أن الظاهر مخالف للباطن غير المعلن وهذا أمر أصبح معتاد في
قواعد السياسة التي لا أخلاق فيها .
ونرى
في كل لحظة التباين والاختلاف حتى التوافق على أمر ما لاهدف له إلا تأليه وتنزيه
الطرف الذي يتبع إليه أي شخص متجاهلين قيم الاختلاف والتنوع للبناء متناسين
المواجهة بالفكرة والدليل والحجة والبرهان التي للأسف يتحلى بها الغرب حتى المحتل
إسرائيل يتصف بهذا الاختلاف البناء، شاهد
بعض المستشرقين أو بالأحرى الناقمين علينا فكريا يتبجحون بواقعنا المرير من عدم
اتباع الاختلاف الايجابي الذي هو بالأساس من مبادئ دين الشورى والسماحة فيقول
أحدهم " هذا الدين هو دين الفكر المتطرف الأحادي التصور ومن يتبحر فيه إما أن
يصبح داعشيا أو ملحداً " وبالتأكيد الأهداف المقصودة من ورائهم ايهام العالم
أن هؤلاء يتبعون دين القتل وعدم التقبل
للاخرين ، وبعيدا عن أهداف هذا الحديث دينياً للأسف الشديد والكارثة الكبرى أن من يدعون
أنهم يتبعون الدين " الوسطي" كما
يقولون سرعان ما يصلوا إلى مرحلة تقزيم الآخرين وإن انتقدت ممارساتهم شيطونك
وكفروك ولعنوك مؤكدين وقوعهم بالتطرف الذي يلقيه الناقمون علينا ومثال ذلك أنك
لاتجد ولاتسمع من ينتقد حزبه الديني فهو " سمع وطاعة " عمياء وغيرهم
شيوعيون وعلمانيون كفار وعملاء .
وهؤلاء
الذين يؤرقهم الانتقاد لا ينتقدون حزبهم أو جماعتهم وينتظرون القول الذي يدع لهم
مجال لاظهار وثنيتهم وتحزبهم الأعمى ، فتجد على سبيل المثال تأييدهم لداعش
وأفعالها في دولة ما وتأييد حزبهم أو حكوماتهم في معادة داعش في دولتهم أو مايخصهم
وفي الحقيقة هم التربة الخصبة التي أنتجت الانحراف الفكري المتطرف !
ومثال آخر يثير الاستهجان والاستغراب فيما أنتجته السنوات الأخيرة من أكذوبة الربيع العربي التي أججت التطرف الفكري والتي امتطتها الجماعات الاسلامية وكأنها صاحبة هذا الفكر رغم أن البحث الموضوعي لبدايات كل الثورات هي حلم شباب بريء لايريد الا الحرية بل وبصراحة بعيدين عن كل التوجهات الدينية إن لم يكن اليسار" الكافر برؤية الاسلاميين " هو الأساس في الدعوة الى التغيير ورفض الظلم والمطالبة بالحريات وهذا تاريخ لاينكره إلا ممتطي الانجازات ليتجلى مفهوم الثورة بجني ثمارها من هؤلاء !
واليك
التجربة المصرية مثلا فمئات الآلاف من الطلقات ابتهاجا بفوز الرئيس المخلوع محمد
مرسي وتصويره كأنه عمرو بن العاص بل ماوصفوه مؤيديه بأنه نبي من الله ! وآلاف
الخزعبلات التي أراد هؤلاء ادخالها الى العقول بأن القادم هو المخلص للأمة من
ترهلات ومظالم عايشتها الدول من سابقيهم حتى بانت الحقيقة بأن لافرق بينهم وبين
غيرهم بل هم أشد مضاضة بالتستر الديني والدموية والعنصرية التي ما زلنا نعايشها
حتى اللحظة وكانت كلمات البلتاجي واضحة إما الدم أو العودة للسلطة ! وحتى من الناحية الدينية والوطنية التي
أراد هؤلاء ذر الرماد في عيون الناس كانت كلماتهم قبل الحكم " اليهود القردة
والخنازير " وبعد الحكم رسائل " الحب والتودد" للسفارة الاسرائيلية
لازالت شاهدة والتبرير جاهز والاعتراف ممنوع طبعاً ، إلى أن عضت الشعوب الأصابع ندما على
ماصار اليه حالها بعدما وقعت الفأس في أرض كان الظلم سائدا فيها ولكن الفأس بدلا
من تهيئة الأرض للغرس بدأت بزيادة التدمير وأصبح الحلم بالرجوع الى الوراء أمنية
الشعوب مقارنة بالواقع الذي وصلت إليه ، ولولا كلمة الفصل وازالة الفأس التي أوقفت
بحر الدماء والهزلية التي مارستها هذه الجماعات في الحكم وسيل الهراءات التي سخر
منها القريب والبعيد حتى أزالت هذا الواقع الذي يبدو أن البعض تناساه باستمرارية
الانسياق وراء الشعارات الرنانة ليصبح لديهم
أن محمد مرسي هو النبي يوسف المسجون والمرشد هو عمر المختار ، وبدأ العويل للخارج
لتركيا وأردوغان الذي اتفق معه في البناء الداخلي الذي أهله لأن يسعى إلى الدور
الاقليمي ولكن أختلف في رؤية البعض على أنه صلاح الدين الأيوبي الذي سيفتح القدس
فهذا إن دل على مدى الفراغ العقلي ومدى الاستغباء الذي يمارسه البعض حتى بدأت
ورقات التوت تتساقط مع تسارع الأيام وأحداثها فبانت أن الكوفية واشارة رابعة
والانسحاب من المؤتمر المشارك فيه اسرائيل كلها مجرد أوهام وفرقعات اعلامية لكسب
الرأي العام حتى في الانتخابات التركية الأخيرة شاهد العالم كيف أن النائب التركي
بعد الانتخابات حلق لحيته وأزالت زوجته الحجاب التي كانت تستخدم كوسائل انتخابية
بحتة وغيره الكثير الكثير من المنتجات التركية التي شاهدنها في مخلفات الجيش
الاسرائيلي إبان الحرب الأخيرة على غزة والعلاقات الاقتصادية الذهبية والمناورات
العسكرية المشتركة .ولم نرى الانتقاد لهم ، فكيف تنتقد الصحابة ؟ هذا كفر !! وستجد
من يبرر لك هذا حتى استقبال الحاخام الصهيوني ايهودا غليك مهندس اقتحامات المسجد
الأقصى الناجي من عملية فلسطينية بطولية يبرره هؤلاء لتتناقض الرؤية بين من يستقبل
على أرضه وبين شعارات من القدس تنتظره
وأسخف من التبرير لم أجد إلا سؤال واحد هل ياترى لو استقبل هذا الحاخام في
دولة نزعت الحكم منكم ماذا ستقولون !!؟
وكل
هذا يدور واللعنة إن حلت في بلاد لا تعرف مكانا الا غزة لتستقر على كاهلها لتصبج
الضحية الكبرى لهذا الصراعات والتي نحن جزء أساسي من تكييف لعنات التغيرات
الاقليمية لتحل بشكل أعمق وباسقاط يدع
الحجة إلى تصدير الأزمات على واقعنا من تسرعات في تبني المواقف وتأييد الأطراف بعيداً
عن الحسابات المنطقية .وبينما
كان التحذير من عدم الانزلاق وراء التغييرات الاقليمية لازال يصر هؤلاء على
مواقفهم المناقضة تماماً لمواقف قيادتهم والتي استدركت الأمر مؤخرا بأن لا حل ولا
أي أفق يلوح الا بالتكيف مع التغييرات على أرض الواقع وكان بدايتها ارضاء الدولة
المصرية ومراعاة التدخلات الخارجية في ظل التناحر الاقليمي وهذا ماحدث في الظاهر
الباطن بين السعودية وحركة حماس والدولة المصرية وتركيا وقطر ومن جهة أخرى ألمانيا
كلها لمصالح مشتركة لكل الأطراف مابين السيادة والتمدد الشيعي والهدنة طويلة الأمد
واعادة الاعمار وماتحمله الأيام القادمة
سيكون مؤكدا لهذا الحديث ، وكانت بداية الغيث بفتح معبر رفح والحديث المتواصل عن
صفقات التبادل والممر المائي والدور القطري والنظرات التفاؤلية بانفراج على غزة .
إن
الاعلام الاجتماعي أصبح مدعاة لحساب المواقف على البعض وهذه رسالة إلى الجميع بادراك
الأمور وعدم التسرع في الحكم وعدم التبعية المطلقة لأي جهة ، فالعواطف أصبحت
لاقيمة لها في لعبة السياسة وعلينا
الاعتراف بأن التغييرات الأخيرة على الساحة كشفت زيف الثوابت والمبادئ التي يدعيها
البعض محاولا تغطية الشمس بغرابيل الدين والوطنية والأخلاق والمظلومية ، وأصبحت
لغة المصالح تسود على كل ما ادعته الأحزاب والجماعات .
في
النهاية نحن علينا أيضا مهما اختلفت ألواننا ومهما تعددت الانقياد لمصلحتنا
وهي المصلحة الشعبية الفلسطينية بالحفاظ على اتجاه البوصلة وترتيب البيت الداخلي
الفلسطيني والانتباه جيداً إلى كل من يحاول وضع شعبنا ومعاناته دعاية له وانجاز
لمصالحه الخاصة على حساب معاناة شعبنا ، ولنكن صريحين مع ذواتنا فرابعة أردوغان
وكوفيته وحجلان قطر بين اسرائيل وفصائلنا لم يأت بجديد لشعبنا سوى المزيد من الشعارات الرنانة والدبلجة
الموسيقية التي يقدمها الاعلام الفئوي الذي يلعب على حبال عواطف شعبنا المثخن من
الخذلان داخليا وخارجيا في المقارنات الهزلية التي لم تقدم للواقع شيء بل زادت
تكريس للانقسام بدعم جهة على حساب الأخرى وان سنوات تهيئة الاعتراف بالدولة
الفلسطينية عالمياً قد أعطت ايجابيتها ولكن يجب التحرك بشكل أسرع داخليا بلملمة
الأفكار وتجميع الأهداف والمثول أمام الحقوق والبدء بضخ الحياة في أوردة
الفلسطينيين المتعطشين للكلمة الواحدة ، إن فلسطين والقدس طريقها واضحة ولاتنتظر إلا أبنائها بوحدتهم وتكريس كل الجهد
والتكاتف لبناء ما دمرته أيدينا من أجل الصمود واستمرارية مقارعة المحتل ، وهذا
لايكون إلا بالمصالحة الاجتماعية والاتفاق على جسم فلسطيني واحد يمثل شعبنا ومعاناته لا
أن يبقى متجزئا كل جزء ينساق منفذا لأجندات الآخرين ولنعد إلى الاختلاف السياسي
الذي هدفه التحرير لا التدمير اختلاف يخدم فكرة واحدة وهي وطن .
بقلم : هديب رضوان
بقلم : هديب رضوان

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق